ماضيها ليس ماضيكِ

ماضيها ليس ماضيكِ

36 0

أخذ الطلاب مواقعهم على المقاعد تأهُبًا لدخول معلم الرياضيات.

جلس كايون على مقعده بشكلٍ معكوس، ليتسنى لهُ مُقابلة أريج الجالسة خلفه. أسند معصميـه على طاولتها، فطالعته بهدوء...

افتتح معها الحديث بسؤال:

ــ بمناسبة حادث الأمس، هل علمتم عن سبب الحريق؟؟

(أريج) مومِئةً برأسها: بلى، قالت الشرطة أن الأمر يعود إلى تسرب الغاز، فاشتعلت النيران إثر التماس كهربائي.

(كايون): هممم.

توسد معصميه، وأردف: ماذا عن هيرا؟..

تنهدت (أريج) وقالت:

ــ اتضح لي أن والدتها قد أخذتها معها في ذلك اليوم.

انزلقت زرقاوتيه نحو الخدش الرفيع على خدها، فأولاه أهتمامه. رفع يده، وأزاح خُصلتيها عن مكان الخدش ليتمكن من رؤيتهِ بشكلٍ واضح...

اتسعت مقلتاها، فدفعت نفسها إلى الوراء قليلًا. أبعد كايون يده، ورمش مدركًا بأنه قد فقد تركيزه لثوان،

فنظَّفَ حُنجرته متحمحمًا، وقال: المعذرة.

ثم استدار معتدلًا في جلسته، وموجهًا بصره نحو اللوح الطباشيري.

غمغمَ شاتمًا نفسه" لا أُصدق!.. أكنت على وشك أن أتحسس جُـرح خدها للتو!؟.."

انشق وجه لوثر بابتسامةٍ عريضة، لمراقبتـه لهمـا بينما الحُمرةُ تغزو محياهُما.

دخل المعلم، فزفر الطلاب يأسًا، بعد أن ذهبت أمانيهم وأدعيتهم سُدًا.

ألقى المعلم التحية، وعدّل نظاراتهُ قائلًا:

ــ افتحوا صفحـة 499

تحدّث أحد الطلاب معترضًا: ولكن يا معلم.. لقد قلت بالأمس أننا سنصحح الدفاتر هذا اليوم!

شهقت أريج، لنسيانها الأمر بالكامل.

أجاب المعلم: نحن مُتأخرون في الدروس، لهذا لن أضيع الحصة في التصحيح.

تنهدت أريج براحة، غير أن أنفاسها قد انكتمت مجددًا حين استطرد المعلم كلامه:

ــ بعد هذه الحصة، سآخذ دفاتركم وأقوم بتصحيحها في المنزل.

كادت أريج أن تنقر كتف كايون، لتطلب منه دفتره، بيد أنها تراجعت، وتساءلات في نفسها "كيف؟!.. كيف أنشده دفتره بعد ما حدث، وبعد ما قُلتُهُ بالأمس؟!"

فتح كايون حقيبته، ناويًا إخراج دفتره لأجل أريج، فهو يعلم بأنها تحتاجه.

قلّب الكُتب مفتشًا عنه... لم يجده، فغمغم "أيا تُراني نسيته في البيت؟!"

ارتفع حاجباه مستذكرًا، فرنظر إلى صديقه لوثر وهمس:

ــ هااي!.. لوثر، أعطني دفتري!

(لوثر) وهو يُسطِّر دفتره: الآن.

ناوله الدفتر، فوضعه كايون على طاولة أريج، وتكلّم من دون أن ينظر إليها:

ــ اكتبي ما ينقصك.

همست، وتناولت الدفتر بتردد: شكرًا.

انتهى الدوام المدرسي، والصمت يُخيم عليـهم. وحين عاد كايون إلى منزله، أخذ حمامًا دافئًا، ثم غير ثيابه، مُتهيئًا للعشاء.

دخل إلى غُرفةِ أُخته، ليجدها وقد ارتدت بيجاماتها الزهرية، ولم يتبقَ غير تثبيت جديلتها بشريطٍ أبيض.

أخذ الشريط من يد كرستين، وقال:

ــ شكرًا لكِ. أنا سأكمل الباقي.

ابتسمت، ثم نزلت إلى الدور الأول.

بعد أن انتهى من عقد الشريط، احتجزها بين ذراعيه، محتضنًا إياها بقوة.

رفعت يديه واحتضنت معصميه، ونطقت: كايون.

(كايون): نعم صغيرتي؟..

(لوسيندا) مع ابتسامة مشرقة: أُحِبُّكَ كثيرًا.

ضمّها أكثر، وقال: وأنا أُحِبُّكِ أكثر.

(لوسيندا) وهي تحاول أن تنظر إليه:

ــ أريد أن أريك رسمات اليوم، لقد فُزت مجددًا!

أفلتها ببُطءٍ، وتكلَّمَ مُبتسمًا: أريني إياها.

توجّهت نحو الحقيبة، وأخرجت ثلاث أوراق. مدّتها إليه، فافترق ثغرُهُ بسعادةٍ، ومدحها:

ــ مُذهـل!.. وكأنهُ رسمُ شخصٍ بالغ!

غزا السرور محياها، فقفزت إلى حجره، وعاودت عناقه. نهض من على السرير، ثم رفعها، قاذفًا إياها عاليًـا في الهواء..

قطع نغمات ضحِكها، نبرة كرستين الجادة:

ــ كايون!.. هذا لا يصح!

(كايون) و (لوسيندا): حسنًا.

(كرستين): أعلم بأنكما تقولان هذا حتى أصمت لا غير!

فلتت ضحكه منهما، ورددا معًا: نعتذر.

زفرت، وقالت: العشاء جاهز.

ثبّت أخته على ذراعه اليُسرى، وشرع ينزل قافزًا، فقهقهت لوسيندا.

تباطأت خطواته، عندما وجد ميلڤين في المقعد الأمامي للطاولة.

أشاح بصره، وأجلس أخته بجانبه، وبدأوا بتناول الطعام.

كانت الأوراق ما تزال بيد لوسيندا، فرمقت والدها، وتساءلت في نفسها "هل أُريها إياهُ يا تُرى؟"

كانت تشعر بخوفٍ لا مبرر له، فقررت أن تكسر هذا التوجس، وتُريه رسماتـها.

قفزت من على كُرسيها، وانتصبت أمام والدها.

استقرت خضراوتيه عليها بهدوء، في حين يتبصرهما كايون بقلـقٍ ممزوجٍ بالتّرَقُّب..

تحدثت (لوسيندا) بنبرةٍ مهزوزة:

ــ هذه.. هذه رسماتي، وقد فُزت.

وضع كوب القهوة جانبًا، وتناول منها الأوراق.

قلّبَ الأولى، ثم الثانية، دون أن ينطق بكلمة، وحين وصل للورقة الأخيرة رنَ هاتفُه...

أخرجه من جيبه، وردَّ على باركر: نعم.

(باركر): أتذكر عصابةَ الميناء الجنوبي!

(ميلڤين) بنبرة عابرة: ما خطبها؟

(باركر): زعيمهم يطلب مقابلتكَ الآن، وقد أمسكوا ببعض رجالنا مهددين بقتلهم!

وضع الأوراق على الطاولة، وولى للمائدةِ ظهره.

سأل: ألم يُفصح لكَ عن السبب؟

(باركر): بلى!.. يقول بأننا خدعنا أتباعه وبعنا لهم مخدراتٍ مغشوشة!

بدا ميلڤين متفاجئًا لذلك، فأقفل الخط، وغادر المنزل.

ارتجفت شفتا لوسيندا عندما سمعت صوت الباب يُغلق خلفه، فأخذت تجمع أوراقها بتأنٍ مُتبلد.

توقف كايون عن التحديق بأثر ميلڤين، وأولى اهتمامه بحال أُخته.

تقدّم نحوها، وحاول إسعادها:

ــ دعيني أرها مجددًا يا لوسي.

استنشقت ماء أنفها، ورمقت لوحاتها بأعيُنٍ متبلورة... ذهبت ناحية القمامة، ورمت أوراقها بحزن.

نهرها كايون: لمَ فعلتِ هذا؟!

وأردف بينما يُجمِّع رسماتها من سلة المهملات:

ــ هو لم يقصد الإساءة.

قال ذلك بمرارة...

(لوسيندا) وهي تفرك عينيها:

ــ هو لم يقل شيئًا!.. هذا.. هذا يعني.. أنها ليست.. جميلة!

احتواها إلى صدره، واستطرد كاذبًا:

ــ صدقيني إنه من هول الذهول لم يستطع أن يجد كلمةً مناسبة لمدحك.

(لوسيندا) وهي تمسح أنفها بكتفـه:

ــ كلا... أنت.. تقول هذا.. وهو ليس، الصدق!

لم يستطع توبيخها لتلطيخ قميصه الجديد، فمرر أصابعه على خصلاتها، وقال:

ــ بلى، إنها الحقيقة، ولكن عمله الطارئ جعله يغادر دون أن يقول شيئًا.

(لوسيندا): ولكنهُ...

قاطعها قائلًا: ألم تلحظِ أنه كان قلقًا بعد ذلك الاتصال؟!

(لوسي): لا، لم ألحظ!

(كايون): بلى!.. لا بدَّ وأن الأمر كان في غايةِ الأهمية!

(لوسيندا) وشهقاتها تعلو: لا.. أظنـه لا يُحِبُنـي!

(كايون) وقلبه ينفطر حزنًا عليها:

ــ إنه والدك يا لوسي، لا يمكن أن يكرهكِ!

وأضاف: ولمَ قد يقسو عليكِ ويتجاهلك؟!... لا بدَّ وأنه لم يقصد ذلك.

وأردف: العمل يجعله بعيدًا عنا فحسب.

أرخت رأسها على كتفه، وسألته بأعينٍ بريئة:

ــ هل تظن بأنه يحبني حقًا؟؟

توضّح فضِّيتيها بجدية، وأجابها بثقةٍ غير موجودة: هذا أكيد!

نهض، وحملها صاعدًا إلى الطابق الثاني، واستطردَ قائلًا:

ــ سوف تنامين بجانبي هذه الليلة.

ابتسمت، وهمست بينما أجفانها تنسدل:

ــ أحِبُّكَ أخـي.

(كايون) مرددًا كلمته اليومية:

ــ أُحِبُّكِ أُختي.

في اليوم التالي... وقت الغداء.

وجّهت أريج كلامها للوثر:

ــ من فضلك، أعطني الصلصةَ الحارة.

(لوثر): تفضّلـي.

بقي السكوت يدور حولهم، ولا يُسمع غير قرمشة الطعام بأفواههم. ابتسم لوثر ابتسامةً جانبية، وسأل بمكر:

ــ ما خطبُكُما؟؟

تصنّعت أريج الاستغراب من كلامه، وقالت:

ــ ما من شيء.

أصدر ضحكه هازئة: هـه...

رفع كايون بصره ناحيته وقال:

ــ نحن بعادتنا لا نثرثر، فاسأل نفسك عن سبب صمتك.

قلّب لوثر عينيه، واستطرد بمتعة:

ــ أأقول لكما نكتةً جديدة؟!!

لوّح (كايون) بيده، وقال: لا، ابقى صامتًا من فضلك.

ابتسمت أريج بخفة، وقالت: لا بأس.

تجاهل كايون الأمر، واستمر بمضغ طعامه. استطرد لوثر بمرح، قائلًا نكتته السخيفة:

ــ لماذا السمكة تستطيع أن تسبح بأي بحر من الأبحر السبعة؟؟

رفعت أحد حاجبيها، وأجابت: لأنها سمكة!؟

(لوثر): لا!

وأردف: قولي لماذا؟

(أريج) وتعابير التعجب ملازمة لوجهها: لماذا؟

أصدر (لوثر) ضحكةً مكتومة وقال:

ــ لأنه لا يوجد جواز سفر يمنعها عن هذا!

رمى نفسه على ظهر المقعد مقهقهًا، في حين ترمش الأُخرى.. مرة، فمرتين، ثم ثلاث دون أن يصدر عنها ولو ابتسامة. فقط الضياع من كان حاضرًا بعقلها.

رفع كايون زرقاوتيه إليها، وحين لم يجد غير الغرابة على محياها أفتر متبسمًا، وهز رأسه بخيبةِ أمل.

(لوثر) وقد توقف عن الضحك: لمَ لا تضحكين؟!

(أريج): أظن أنني لم أفهم..

(لوثر) وهو يحاول أن يشرح لها بواسطة يديه:

ــ الأمر واضح!.. لو كان هناك جواز سفر للأسماك ما كانت لتستطيع السباحة في أي بحر!

(أريج): أهُنا تكمن الدعابة؟؟

(لوثر) بجدية: نعـم!

(أريج) مهمهمة: همم.

تنهد لوثر وقال:

ــ يبدو بأنكِ لا تمتلكين حِس الدعابة.

ورمق صديقه، ثم استطرد قائلًا:

ــ حتى كايون المتبلد ابتسم.

(أريج): .....

أكملوا تناول الطعام، وعندما كان الجرس على مقرُبةٍ من الصُراخ، فتحت أريج فمها لقول شيء.

(أريج): أأ...

ارتبكت في كلامها لأنها لم تختر الصيغة المناسبةَ بعد... توجهت أعين صديقيها نحوها، فشتمت نفسها " سحقًا لي!.. كان عليّ أن أُرتب الكلمات في عقلي قبل أن أفتح فمي!"

تنحنحت، وأردفت: بالمناسبة...

صمتت لنصف الثانية، ثم قالت:

ــ أعني، بخصوص الأمس.. شكرًا لهذا.. أقصد لذلك الأمـ.. أعني المهم.

كادت على وشك أن تنهار من الخجل لكلماتها البلهاء..

نظر كايون إلى ساعته، وقال بنبرةٍ عابرة: لا عليكِ.

حتى هو قام باختيار لفظٍ غير مناسب. ودَّ أن يقول هذا واجبي، ولكن لسانه أختار كلمتين من عنده.

(لوثر) مع ابتسامة مستمتعة:

ــ ما يقصده كايون، أن الأصدقاء لا يشكرون بعضهم البعض، فما قدمه كان واجبًا عليه.

تأثرت بكلامه، فانزوت ابتسامتها نحو الأسفل في ابتسامة ظريفة، وقالت:

ــ شكرًا.

تأفف لوثر، واستطرد مستفسرًا:

ــ ماذا قلت قبل قليل؟؟!

وأردف: ليس علينا قول شكرًا أو لو سمحت. دعينا من الرسميات، فنحن لسنا موظفين في شركة!

ضحكت وقالت: حسنًا.

ظلَّ كايون محدقًا بها، فنظرت إليه، ثم وجهت بصرها نحو الأسفل، وتساءلت "كيف؟.. كيف أقول له أن نعود للدراسة معًا؟!"

رطّب كايون شفتيه، ونطق: أريج..

وجّهت بصرها إليه سريعًا، وأجابت:

ــ نـ.. نعم!

هربت زرقاوتاه للحظة، ثم أعادها إليها، وقال:

ــ أيمكننا أن ندرس مع بعضنا من جديد؟

أشرق وجهها، واستطردت:

ــ بلى.. هذا ما كنت أريد قوله!

(كايون) وكل ما في وجهه يبتسم:

ــ وماذا نفعل بشأن والدتك؟

(أريج): لقد تحدثنا بارحةَ الأمس، ووعدتني بأنها لن تفتعل معك الشجارات مجددًا.

(كايون): جيدٌ أذن.

وأردف: سآتي بعد الدوام، وسأُحضر لوسيندا معي.

وأضاف إلى قوله سائلًا:

ــ إن لم يكن في هذا إزعاجًا لكم بالطبع؟!

(أريج): أبدًا!.. بإمكانك أن تُحضِرها معك.

رن الجرس، فسبقهما لوثر إلى الصفِ، وقال مبتسمًا:

ــ حظًا موفقًا.

بعـد الدوام...

أقبلَ كايون مع أختـه، وضغط على جرس الباب.

نزلت أريج من الطابق الثاني لتفتحه، بيد أن ميراي سبقتها وفتحت الباب...

أخذت لوسيندا خطوتها الأولى، فشد أخوها على يدها وأرجعها إلى جانبه. نظرت إليه متعجبة فرأته يطالع ميراي منتظرًا منها أن تتفضل بقول تفضّل...

(ميراي) ومُقلتيها تثقب أعين الآخر: أهلًا.

(كايون) مع تعابير حيادية: أهلًا.

انزلق بصرها إلى لوسي، فسألته: من هذه؟

(كايون): أختي لوسيندا.

همهمت (ميراي) بينما تتوضّحها بتمعن:

ــ هممم.

انخفضت لوسي على إحدى قدميها فاردةً فستانها البنفسجي، ثم قالت:

ــ سُرِرتُ بمعرفتكِ سيدة أم أريـج.

اعتلت شفتها ابتسامةٌ صغيرة، فأفسحت لهما المجال قائلةً:

ــ تفضَّلا.

جلسوا أمام منضدة زجاجية وبدأ كايون وأريج ببعثرة الكتب والدفاتر...

سرعان ما أحسّت الطفلة بالملل، فزفرت وطارت خصلات غُرتِها إثر ذلك.

رمقت ميراي الجالسة خلفهم، فرأتها وهي تُشير لها بالتقدّم. تركت موضعها، فرمقها كايون، واستفسرها:

ــ إلى أين؟

(لوسي) وهي تُشير ناحية ميراي:

ــ إلى السيدة أم أريج.

ابتسمت أريج، وتكلّم كايون:

ــ أخبرتك مسبقًا بأن اسمها ميراي.

(لوسيندا) ببشاشة: حسنًا.

جلست بجانبها، فمررت ميراي يدها على خصلات لوسي وسألتها:

ــ من سرح لكِ شعركِ؟

تأخرت (لوسيندا) في الرد، لتحديقها الطويل بميراي، فاستطرت ميراي مهمهمةً على سؤالها:

ــ همم؟

(لوسيندا): أأ.. مربيتي.

(ميراي): ما بكِ يا عزيزتي؟.. أأبدو لكِ مُرعبة؟!

نفت (لوسيندا) ذلك بهز رأسها، وقالت:

ــ لا!.. أنتِ جميلةٌ جدًا ولا يبدو لي أنكِ متوحشة.

رمقت ميراي كايون بحدة، فحكَّ شعره وتجاهل نظرات ميراي مدعيًا بأن لا دخل له...

أعادت ميراي بصرها إلى لوسي، وسألت:

ــ قُلتِ مُربيتك؟

(لوسيندا): نعم.

(ميراي): ولمَ ليست والدتك؟

(لوسيندا): لأن والدتي سافرت منذ زمن.

(ميراي): همم... أكانت علاقتها سيئةً مع والدك؟؟

أغمض كايون عينيه، واشتد ضغطه على القلم حتى ثقب الورقة. لاحظت أريج مدى انزعاجه، فأمالت رأسها لتقابل وجه أمها، وزمّت شفتيها؛ لا تعلم كيف تقول لها بأن تتوقف عن أسئلتها أمام الجميع.

رأت ميراي ابنتها وهي تومئ لها وتنفي برأسها، فأومأت لها ميراي بحسنًا، غير أنها عادت لتسأل لوسي بصوتٍ هامس:

ــ أسافرت لأن علاقتها كانت سيئة؟؟

(لوسي) مقلدةً لها في الهمس:

ــ لا أظن ذلك، فكايون قال أنها سافرت بدون سبب.

(ميراي): كيف بدون سبب؟؟

هزّت لوسي كتفيها كنايةً عن عدم المعرفة، فأردفت ميراي مستفسرة:

ــ وإلى أين سافرت؟

(لوسيندا): إلى الجنة، وهي بعيدةٌ جدًا.

ارتفع حاجبا ميراي بإدراك، فحدقت بكايون المنهمك في الدراسة مع ابنتها، وحدّثت نفسها " لهذا هو سيء السلوك، لا عجب في أن تضيع أخلاقه بعد موت والدته"

كانت نظرتها إليه مختلفة عمَّا سبق، إذ أنها على ما يبدو بدأت تتقبله وتبرر عجرفته.

أعادت بصرها إلى لوسي، ومسحت على أصابعها لمدة، ثم سألتها:

ــ ما رأيك في أن أُلوِّنَ لكِ أظافرك؟

(لوسيندا): رائع!.. أُريد هذا!

ابتسمت لها وقالت:

ــ انتظري، سأذهب وأُحضر جميع أطليتي.

أنهـيا الدراسة، فاستدار كايون وقال:

ــ هيا لوسي. حان وقت المغادرة.

(لوسيندا) وهي تنفخ الطلاء على أظافرها:

ــ لكن الطلاء لم يجف بعد!

(كايون): غير مهم.

(ميراي): ابقوا قليلًا بعد.

زمَّ شفتيه متعجبًا، وقال: حسنًا.

ثم عاد إلى مكانه، فعاودت أريج الجلوس أيضًا.

بقيا صامتين. ويسترقا بعض النظرات على بعضهما، فتعود أبصارهما لتستقرا على المنضدة.

رطب شفتيه، وحاول أن يفتتح حديثًا معها:

ــ أهناك شيءٌ لم تفهميه؟

(أريج) نافية برأسها: لا.

عاد الصمت مجددًا، فأخذ القلم الذي أمامه وشرع يرسم خربشات على الورقة التي درسا فيها سابقًا. خطرت بباله فكرة، فرسم خطان عموديان وآخران بشكلٍ أُفقي، ثم رفع زرقاوتيه إليها، ونطق:

ــ أتلعبين X - O ؟

(أريج): نعم.

وضع الـX بالمنتصف، فرسمت أريج الـ O على إحدى الزوايا العُليا. ابتسم لاختيارها وقال:

ــ يبدو لي أن لديكِ خبرةَ لا بأس بها.

(أريج) مع ابتسامةٍ صغيرة: ولم يسبق لي أن خسرت فيها.

(كايون) وقد رفع أحد حاجبيه بتحدٍ:

ــ سنرى بشأنِ هذا الأمر.

وبعد خمس جولات أنتهت بالتعادل السلبي، خطَّ كايون خطوطًا أُخرى وقال:

ــ بعد يومين من الآن، ستكمل لوسيندا عامها السادس.

(أريج) ببهجة: رائع، أتمنى لها عامًا سعيدًا.

(كايون) وقد ثبّت بصره عليها: أستأتين؟؟

(أريج): إلى الحفل؟!

أومأ برأسه، وقال: سنقيمه في بيت جدي.

تفكّرت أريج مليًا بينما تُخفض حاجبيها بحزن... أجابت:

ــ أريد هذا حقًا ولكن...

رمقت والدتها، وأردفت مكملة:

ــ أظن بأن أمي لن تسمح لي.

(كايون): افتتحي معها الموضوع هذه الليلة، وسأمُرُ لكِ بالسيارة إن وافقت.

(أريج): حسنًا.

نقرت لوسي كتف أخوها، وقالت مبتسمة:

ــ نذهب؟

(كايون) ممسكًا يدها: هيا.

خرجا، فلحقت بهما ميراي لتُغلق الباب، وقبل أن تفعل ذلك، حدّث كايون أخته:

ــ اسبقيني إلى السيارة.

ثم عاد مقابلًا لوجه ميراي، وقال:

ــ دقيقةً من وقتك.

خرجت، وأغلقت الباب بينما تُكلم نفسها " أيا تُراه سيعتذر عن آخر شجارٍ بيننا؟!"

(كايون): ما سأقوله خاصٌ بأريج.

هزّت ميراي رأسها بحسنًا، فأردف من دون مقدمات:

ــ لا أعلم بما مررتِ بهِ في الماضي...

اتسعت عيناها، فأضاف إلى كلامه:

ــ تصرفاتك توحي بأنكِ تحاولين حمايتها من أمرٍ أنتِ متيقنةٌ من حدوثه.

واستطرد مكملًا:

ــ ميراي.. أنا أعلم كيف أن الخوف قد يجعل المرء يبالغ في حماية من يُحب، ولكن هذا يسبب عذابًا للآخر في الحقيقة.

(ميراي) وقد تلاطمت مشاعرها:

ــ لا شأن لك!.. أنا أعلم ما هو خيرٌ لابنتي!

(كايون): لا، أنتِ تائهة... لا يحق لي أن أقول بأنكِ على خطأ، ولكن..

صمت قليلًا ثم أردف: أن تُخفي الفتاة أمورًا عن والدتها خوفًا منها ليس الصواب حتمًا.

ليس عليّ أن أقول هذا، ولكنني وأريج نمتلك صديقًا آخر، وأبقينا أمره سرًا بسببك.

اختلجت عضلة بفك ميراي، بينما كايون يُكمل ما بدأه:

ــ الماضي. أنتِ تحمينها مما مررتِ به، ولكن ماضيها ليس ماضيك وحاضرها ليس حاضرك، فلا تُقيدها بقيودك.

ازدردت ميراي ريقها بصعوبة، واستطرد الآخر:

ــ القفص يبقى قفصًا وإن كانت قُضبانُهُ من ذهب.

أخرج من حقيبته ورقةً وقلم، وكتب بها رقمين...

أمسك بيدها، ودس الورقة بها ثم قال: هذا رقمي، ورقم لوثر، إن أصاب ابنتك أي شيء فبلِّغي عنا.

غادر، وترك كلماته تغلي كجمرةٍ علقت بحلق ميراي.

تمتمت بمرارة: لوثر..

وبسطت يدها أمامها فإذ بها ترى ارتجافها واضحًا. قرأت الرقمان، وتساءلت مجددًا:

ــ من يكون؟.. من يكون! وكيف تخفي أريج هذا عني؟!

ارتجفت شفتاها منبسة، وحاولت إقناع نفسها:

ــ أنا أحميها!.. أنا أحميها فحسب!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنثى العنكبوت، هلاكي الجميل

المؤلف Ahed Nasser🍂
2025/07/01 مستمرة
قائمة الفصول (86)
الفصل 1: ...🍁
2025/07/01
الفصل 6: عندما جلبكِ القدر أليّ
2025/07/14
الفصل 5: امرأةُ الساطور
2025/07/12
الفصل 4: على ارتفاعٍ شاهق
2025/07/03
الفصل 3: أعضاء المافيا
2025/07/03
الفصل 2: دمٌ في الزقاق
2025/07/01
الفصل 7: الفريسة المُفترسة
2025/08/07
الفصل 8: عهـد بالــدم
2025/08/22
الفصل 9: بائعة المشانق
2025/08/31
الفصل 10: معشوق الجاذبية
2025/09/08
الفصل 11: مُهمة، ووجوهٌ مُقنعة
2025/09/28
الفصل 12: حقد دفيـن
2025/10/09
الفصل 13: كمسرح الدمى
2025/10/11
الفصل 14: ابتزاز
2025/10/26
الفصل 15: عروس على حافة الموت
2025/10/28
الفصل 16: القانون لا يحمي المغفلين
2025/10/29
الفصل 17: لا تتأخر
2025/10/31
الفصل 18: تحت الأقواس السبعة
2025/11/02
الفصل 19: لدغة عقارب الساعة
2025/11/04
الفصل 20: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/06
الفصل 21: من رائحة البارود تولد الذكرى
2025/11/08
الفصل 22: عندما يُقدَّم الحب كقربان
2025/11/10
الفصل 23: تحت أنقاض الماضي
2025/11/12
الفصل 24: المتمرد
2025/11/16
الفصل 25: سخرية مزدوجة
2025/11/17
الفصل 26: نهاية للحياة السيئة، وبداية للحياة الأسوأ
2025/11/18
الفصل 27: نعمة أم نقمة؟
2025/11/25
الفصل 28: وحش في غابة البلوط
2025/11/29
الفصل 29: حنان مسلوب
2025/12/01
الفصل 30: فاجعة الطفل ليون
2025/12/02
الفصل 31: مسدس حقيقي
2025/12/04
الفصل 32: روح مجروحة
2025/12/05
الفصل 33: متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم
2025/12/08
الفصل 34: الهاكرز
2025/12/12
الفصل 35: أكاذيب
2025/12/14
الفصل 36: مسحوق أبيض
2025/12/17
الفصل 37: تقرير خاطئ
2025/12/19
الفصل 38: شيطانة ولكن بأجنحة بيضاء
2025/12/20
الفصل 39: رِثاء مُتخبط
2025/12/22
الفصل 40: بين ضربة واحتضان
2025/12/25
الفصل 41: خبر بألف طعنة
2026/01/03
الفصل 42: لوسيندا النائمة على المحار
2026/01/04
الفصل 43: الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى
2026/01/05
الفصل 44: تضجّر
2026/01/07
الفصل 45: رحلة التوقف
2026/01/09
الفصل 46: مجيئ اليوم المؤجل
2026/01/13
الفصل 47: القتل كالخمر
2026/01/15
الفصل 48: صفعة، نثرت الأمان
2026/01/25
الفصل 49: كشف الستار عن نصف الحقيقة
2026/02/08
الفصل 50: وعد ليس لهُ غد
2026/02/13
الفصل 51: صراع بين الحياة والموت
2026/02/16
الفصل 52: عودي إلي
2026/03/04
الفصل 53: اللعب على المنحدر
2026/03/20
الفصل 54: حقيقة وإنكار، كشف النصف الثاني عن الستار
2026/03/27
الفصل 55: عند اكتمال المصيدة
2026/03/28
الفصل 56: الصرخة التي شاخت بها الروح
2026/03/31
الفصل 57: كمدٌ طاغٍ
2026/04/02
الفصل 58: أين أمي؟
2026/04/13
الفصل 59: نجا... ولم ينجُ
2026/04/16
الفصل 60: هدنةٌ مع الألم
2026/04/16
الفصل 61: شجار
2026/04/18
الفصل 62: إخوة من رحم المعاناة
2026/04/20
الفصل 63: قد يجد سببًا
2026/04/25
الفصل 64: ابتسامة معكوسة
2026/04/28
الفصل 65: أصدقاء
2026/05/02
الفصل 66: مسألة رياضيات
2026/05/03
الفصل 67: مكتبة ومطر
2026/05/05
الفصل 69: عودة إلى العمل
2026/05/11
الفصل 68: أحداث هادئة
2026/05/06
الفصل 70: ميراي
2026/05/13
الفصل 71: تحت المراقبة
2026/05/17
الفصل 72: بداية الشرخ
2026/05/22
الفصل 73: لِمَ أهتم؟!
2026/05/25
الفصل 74: مواجهة بين الأم وابنتها
2026/06/02
الفصل 75: بين ألسنـةِ اللهـب
2026/06/05
الفصل 76: ماضيها ليس ماضيكِ
2026/06/19
الفصل 77: مواساة كاذبة
2026/06/24
الفصل 78: ضيفٌ تحت المجهر
2026/07/04
الفصل 79: على هامش السعادة
2026/07/20
الفصل 80: أثر الحرب
2026/07/30
الفصل 81: أيامٌ عابـرة
2026/08/24
الفصل 82: كرات ثلج
2026/08/30
الفصل 83: ذو العين الواحدة
2026/09/13
الفصل 84: خيط 36
2026/09/21
الفصل 85: أثرهم دُخان
2026/09/24
الفصل 86: ...🍁
2026/10/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة